اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
182
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
أما مصنفه الأخير « كتاب التنبيه » فقد اكتسب عن جدارة حق الانضمام إلى « مكتبة الجغرافيين العرب » Bibliotheca Geographorum Arabicorum على الرغم من أنه ليس مصنفا جغرافيا بمعنى الكلمة ولا تشغل الموضوعات الجغرافية فيه حيزا كبيرا . وهي تتركز بصفة عامة في أول الكتاب على هيئة مقدمة تعطى عرضا عاما للجغرافيا الفلكية والطبيعية ، يلخص فيها المؤلف نظريات القرن العاشر في خطوطها الجوهرية المعروفة ويفرد مكانة خاصة لنظرية الرياح حيث يقول : « وأن الشمس إذا كان مسيرها في الميل الشمالي عن معدّل النهار حمى الهواء في ناحية الشمال وبرد الهواء الجنوبي فيجب من ذلك أن ينقبض الهواء الجنوبي ويحتاج إلى موضع أصغر ويتسع الهواء الشمالي ويحتاج إلى موضع أوسع إذ لا فراغ في العالم فبالواجب أن تكون أكثر رياح الصيف عند من هو في ناحية الشمال شمالية لأن الهواء من عندهم يتحرك إلى ناحية الجنوب إذ ليس الريح شيئا غير حركة الهواء وتموجه وكذلك يجب أن تكون أكثر رياح الشتاء جنوبية لتحرك - - الهواء إلى ناحية الشمال لمسير الشمس في الشتاء في الميل الجنوبي » 12 . ويلي هذا وصف لصناعات مصر وتجارتها ومحاصيلها ، وهذا بدوره يسوق المؤلف إلى محاولة لتفسير المميزات النفسانية حسب تأثير المناخ على الناس . ولا يخلو من بعض الطرافة في هذا الصدد حكمه على أهل الشمال : « وأما أهل الربع الشمالي وهم الذين بعدت الشمس عن سمتهم من الواغلين في الشمال كالصقالبة والإفرنجة ومن جاورهم من الأمم فإن سلطان الشمس ضعف عندهم لبعدهم عنها فغلب على نواحيهم البرد وتبلدت أفهامهم وثقلت ألسنتهم وابيضت ألوانهم حتى أفرطت فخرجت من البياض إلى الزرقة ورقت جلودهم وغلظت لحومهم وازرقت أعينهم أيضا فلم تخرج من طبع ألوانهم وسبطت شعورهم وصارت صهبا لغلبة البخار الرطب ولم يكن في مذاهبهم متانة وذلك لطباع البرد وعدم الحرارة ومن كان منهم أوغل في الشمال فالغالب عليه الغباوة والجفاء والبهائمية وتزايد ذلك فيهم في الأبعد فالأبعد إلى الشمال » 13 . أما الجغرافيا الوصفية فتعرض بالطريقة المعروفة لنا جيدا أي على أساس الأقاليم السبعة مع تفصيل أكثر في وصف الإقليم الرابع الذي تقع فيه العراق . ويرد القول عرضا عن عجائب الإسكندرية التي شغلت الناس منذ العصور القديمة وعن زلزال عام 344 ه - 955 . أما وصف البحار والأنهار فيصحبه وصف موجز للأقطار التي تجرى فيها أو تمسها مع استطرادات شتى كالحديث عن موقع بحيرة أرميه وبراكين فارس ، كما يستوفى القول في فصل خاص عن البلاد الواقعة إلى الشمال والشمال الشرقي من بحر قزوين . وفي القسم الاثنوغرافى من الكتاب يقسم الشعوب إلى سبعة مجموعات هي الفرس ، ويليهم الكلدانيون الذين يضم إليهم العرب واليهود ، ثم سكان أوروبا ( اليونان والبيزنطيون والصقالبة والفرنجة ) ،